لقاءات صحفية وثقافية

الأديب حمد القاضي لـ "صحيفة سبق" بلقاء شامل: ▪️لو لم أكن محبر الحبر لكنت بائع عطور!

تحوّلت من جنة الأدب إلى نار الصحافة "
لغتنا العربية في وطننا العربي غريبة الوجه واليد واللسان
دخلت "تويتر"كان لدي رسالة واضحة وهي زرع المحبة وإشاعة القيم ، ويزعجني مسّ الثوابت والتنابز بالألقاب
غازي القصيبي "إنسان" بكى لرؤية الأطفال ينامون "بالأسياب" وزار "الجرادية" ليقنع زوجاً بعدم حرمان أمهم من أطفالها.
أدنت زواج "المثقاف" لأن الزوج لن يتحاور معها حول شعر المتنبئ ودهاليز العولمة وشعر الحداثة▪ أنا شخص "توافقي" لا أرغب في رؤية الأشياء من زوايا أخرى مختلفة- بعض الكاتبات انحزن للرواية بحثاً عن الشهرة وتعرية النساء وملامسة المحظور
هذا هو الحلم الذي ظلّ حبيساً بصدري حتى هذه اللحظة .
حوار :شقران الرشيدي 
️▪️▪️
** ما القرار الذي ظل معك مؤجلاً حتى إشعار آخر؟
- أكثر القرارات التي سعيت إليها حققتها بفضل الله. القرار المؤجل الذي أفصح عنه لأول مرة هو: حلمي بسكني مكة المكرمة، وتنعمي بفيض روحانتيها، وقد لمحت لهذا الحلم قبل سنوات بمقال نشرته بالمجلة العربية، لعله من أصدق ما كتبت: "مكة المكرمة.. نهار من رحمة وأنهار من محبة".
* نعرفك عضواً في مجلس شورى ، ورئيساً لتحرير المجلة العربية سابقاً،وأميناً عاماً لمؤسسة حمد الجاسر الثقافية وإعلامياً بارز، ومثقفاً معروفاً.. لكن من هو حمد القاضي لمن لا يعرفه؟
- إنسان يسعى للخير وينشد الجمال، ويجد ملاذه بالحرف، ويرجو رحمة ربه.
* تُتَّهم بأنك شخص "توافقي"، لا يرغب في رؤية الأشياء من زوايا أخرى مختلفة..- هذه تهمة لا أنفيها، وشرف لا أدعيه، وأنا سعيد بأنني على مسافة واحدة من رؤى وألوان الطيف الاجتماعي كافة، لكن أحسب من الأصوب أن أختار الرؤية الأشمل والأجمل وأنا أشاهد الزوايا المختلفة، شرط أن تكون هذه الرؤية تنشد الصواب، وتتخضّب بالموضوعية، ولا ترفض التعددية أو تجنح للإقصاء، وهنا لا تقع الرؤية في فخ الازدواجية، أو أعاصير الهوى.* ماذا بقي - حتى الآن - من الإعلامي المميز حمد القاضي؟- بقي ضمير يوجه قارب حرفي نحو بهاء القيم، وشموخ الوطن، وبقي سعي لحلم من أجل طفولة تتلقى الزنابق بدلاً من أن تحرقها البنادق.* يلقبونك بـ "أستاذ الخلق، والسماحة، والرجل الذي تتجسد فيه طيبة النفس، وصفاء الروح وسعة القلب".. والسؤال: كيف تحقق ذلك في وسط صحفي وإعلامي معروف بالغيرة والتنافس المحتدم؟- أتشرف بأن أكون كذلك، وعسير عليّ أن أزكي نفسي، وامتنان موشّى بالدعاء لمن يحسنون الظن بي.
* بوصفك عضو مجلس أمناء مركز الملك عبدالله الدولي لخدمة اللغة العربية وعضو الجمعية السعودية العلمية للغة العربية،هل ترى اللغة العربية في خطر؟
- نعم في خطر؛ فقد أصبحت لغتنا العربية في وطننا العربي غريبة الوجه واليد واللسان؛ فلوحات الشوارع أعجمية، ونادل الفندق يتحدث معك بالإنجليزية، بل آلمني عندما هاتفتُ أحد الفنادق بمكة المكرمة مهبط الوحي، وموطن الضاد، ورد علي مأمور الهاتف بـ(welcome ) ، وعندما اعترضت: كيف لا ترد بالعربية بالسلام عليكم، كان رده أقبح من فعله: This Alsystem  !
* أدنت ما يسمى "بزواج المثقاف"، فما المانع من الزواج بامرأة مثقفة تناقش وتحاور؟
- لا، أنا لم أُدِن زواج المثقف بمثقفة؛ فهذا شيء بهي، لكن جاء نقدي في سياق أن بعض الرجال يأتي بذلك مبرراً ليس صادقاً فيه من أجل الزواج بأخرى معللاً بأنه يريد زوجة يتحاور معها بالشأن الثقافي، وأذكر أنني قلت في مقالي: هل سيتحاور معها حول شعر المتنبئ، ودهاليز العولمة، وشعر الحداثة !!
* يقول الشاعر اليمني عبد الله البردوني:نمتطي موجـة إلى غــير مرســـى *** إن وجدنا ريحاً فقدنا الشراعاهل يعكس هذا البيت حالة الضياع في العالم العربي؟- نعم، لقد صدق البردوني؛ فقد أبصر واقع أمته، وهو "الضرير" ولكن يبدو أننا " جوقة العميان".. أيها البصير، لقد نصَبتْ أمتك من بعدك (من الدموع خياماً)، ومن التمزق شراعاً، ومن الهوان سكناً.* عُرفت محاوراً ثقافياً، واشتُهرت من خلال برامج تلفزيونية، أبرزها برنامج "رحلة الكلمة"، لماذا توقفت؟- بسبب انشغالي باهتمامات ثقافية واجتماعية، ثم تشرفي بعضوية مجلس الشورى، وقد طلب مني معالي د. عبدالعزيز خوجة وزير الثقافة  إعادته، كما طلب مني أحد مسؤولي القنوات المعروفة ذلك، ولعلي أتمكن من ذلك مستقبلاً، سواء في التلفزيون السعودي أو غيره.* تربطك علاقة صداقة عميقة بالراحل اغازي القصيبي، ما أبرز ذكرياتك معه في الأدب، والشعر، والكتابة، والمناصب؟- غازي القصيبي رائد وطني، ومثقف تنويري  مفتاح شخصيته أنه "إنسان" تتضاءل كل مناصبه وأوصافه دون إنسانيته. لي معه – يا شقران – ذكريات عديدة وجميلة، سواء على المستوى الشخصي أو الثقافي أو العملي؛ لا أستطيع اختزالها بهذا اللقاء، وربما الحديث عن بعضها يستغرق مساحة هذا الحوار، وفي كتابي "قراءة في جوانب الراحل غازي القصيبي الإنسانية" رويت بعض المواقف معه التي تتماهى مع كونه إنساناً، كبكائه عندما رأى الأطفال ينامون "بالأسياب" في أحد المستشفيات، وخروجه من مكتبه لزيارة بيت شعبي بحي الجرادية الشعبي بالرياض  ؛ ليقنع أحد الأزواج الذي حرم مطلقته من رؤية فلذات كبدها، أليس هو القائل عطاء لا تنظيراً:وإن سـهــرت مـقـلة بالــظــلام ***    رأيت المروءة أن أسهرا(رحمه الله).* قال الشاعر:وقد يرجى لجرح الســيف بـــرء *** ولا برء لما جرح اللسانهل تتفق معه في صعوبة اندمال جروح الكلام؟- نعم أتفق معه لمن يحفل بكلام الناس، لكن الواثق بنفسه يكون كالبحر؛ لا يضره أن يرميه غلام بحجر! ألم يقل المجرب الآخر:إن كان ذكــرك في البريـة عـنـبـرا حاشا يضيرك أن يذمك مغرض▪ أشرفت على الملحق الثقافي في صحيفة الجزيرة لسنوات عديدة، فهل خدمت الثقافة الصحافة أم أبرزت الصحافة الثقافة وأنقذتها؟- فترة إشرافي على الملحق الثقافي بصحيفة الجزيرة هي من أخصب فترات عمري الصحفية؛ كان المتابعون ورقيين لا رقميين، لم ترحل بهم بعد فضاءات الأقنية الشبكية عن مدارات رائحة الحبر وبياض الورق! نعم، خدمتْ الصحافةُ الثقافة  وقتها؛ فقد كان الكثيرون يتابعون الملاحق الثقافية، وكانت الغالبية تشتري الصحيفة في اليوم الذي يصدر فيها ملحقها الثقافي.. أما الآن فانشغل الكثيرون بالتراشق بشوك تويتر  بدلاً من التراشق بورد الكلمة.* في رئاسة تحرير المجلة العربية استطعت إنزالها من أبراجها العاجية إلى مستوى الناس، وجعلتها في متناولهم، يقرؤونها، ويكتبون فيها، فعلى ماذا حرصت؟ وبماذا تفخر بعد أن تركتها؟
- أتوقذ أن أكون فعلت ذلك.
هذا سؤال ، يعيدني لأجمل حب صحفي، بل هو آخر حب لي بعالم الصحافة. لقد سعيت مع زملائي لأن تكون  الملة ذات طرح تنويري ثقافياً ووطنياً، لا يتقاطع مع القيم، ولا يتجاوز المسلَّمات، ويقترب من كتفة أطلف القراء وكنت وزملائي الذين أعمل معهم، وبدعم ومتابعة من مؤسسها الشيخ حسن آل الشيخ - رحمه الله، حريصين على أن نجعل خطاب الكلمة الثقافية يتناغم مع حياة القراء؛ حتى لا تكون المجلة مغردة في سرب ناءٍ عن اهتماماتهم، أو تتوجه للنخب. وقد وظفت علاقاتي باستقطاب عدد من الرموز والرواد بزوايا ثابتة، وهؤلاء جعلوا القراء داخلياً وخارجياً يتابعونها، وفي مقدمتهم العلامة حمد الجاسر والأديب أحمد المبارك وأ/ عبدالله القرعاوي ود. غازي القصيبي وأ/ عبدالله الجفري - ، ود. عبدالعزيز الخويطر رحمهم الله،وأ/عبد الله خياط وأ/علي العمير وغيرهم  ود. هند الخثيلة وأ/ فوزية الجارالله ود/ فاطمة العتيبي، وغيرهن، فضلاً عن الأقلام التنويرية الشابة من كتّاب وكاتبات. لقد تركتها وهي ناجحة؛ تحظى بمتابعة كبيرة، وتوزيع جيد داخل السعودية وخارجها، والزملاء الذي جاؤوا من بعدي يكملون المسير بها.
* في الروايات السعودية.. لماذا سقطت النساء في "فخ" الصراع، والانتقام، والجدل، والجنس.. إلخ؟== بعضهن – ولا أقول كلهن – انحزن لهذا اللون من الرواية بحثاً عن الشهرة وادعاء للجرأة، وتعرية للنساء بادعاء معالجة معضلاتهن. الإشكالية أن مثل هذه الروايات وجدت الانتشار؛ لأنها لامست المحظور، فضلاً عن احتفاء بعض النقاد بها.
حب الوطن.. هل أصبح "منّة" لبعض رجال الأعمال السعوديين؟- نعم، أصبح – مع الأسف - منّة  لدى بعض رجال الأعمال "وعندما يتكرم هذا البعض  بدراهم معدودة يمنون – فعلاً – على هذا الوطن الذي أنبت لحوم أكتافهم، وملأ خزائنهم.*  يقول الشاعر النبطي محمد القاضي:إليا ابتسم شـع وأشــرق بالآفــــاق *** نوره يفوق البدر سحر ومنطوقفهل هذا خيال شاعر أم تجربة إنسان رومانسي؟- هذا البيت لجد أبي الشاعر المعروف محمد العبدالله القاضي رحمهما الله. لقد جمع هذا البيت الذي ورد في قصيدته "القهوة" بين خيال الشاعر، ورومانسية الإنسان، وقد قال بعده في هذه القصيدة الباذخة الجمال:إليا حصل لك ساعة وأنت مشتاق *** فاقطفْ زهر ما لاق والعمر ملحوقتمشي برفق خايفة مدمج الساق *** يكسر حجول ضامها الثقل من فوق!* الحياة لا تهب إلا لمن صال فيها وجال، إلى أي مدى تؤمن بهذا المبدأ؟- هذا صحيح! نعم، الحياة لا تعطي ثمارها إلا لمن أعطاها، واستلذّ بتعبها؛ ليحصد الراحة بعد ذلك، وزهرة النجاح لا يحصدها الكسالى، والله قال لمريم: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا}. ولكن قبل ذلك وبعده: توفيق الله؛ فقد يحرق المرء عمره عطاء لكن لا يورق في عمره إلا قبض الريح، وقد قال الشاعر حافظ إبراهيم:لا تلم كفّي إذا السيف نبا *** صحّ مني العزم والدهر أبى* في داخل الوطن لنا شخصياتنا وتصرفاتنا، وفي خارج الوطن لنا كذلك شخصياتنا وتصرفاتنا الأخرى.. ما سر شخصياتنا وتصرفاتنا المتغيرة بتغير المكان؟- شيء مؤلم حد الوجع! الإنسان الواعي الواثق الصادق لا يكون مزدوج الشخصية؛ فهو مواطن مسلم فوق صحراء الوطن، كما هو مواطن تحت سحاب لندن، لكن المواطن   الواثق يرهن سلوكه لثابت السلوك، لا لتغير المكان.* المرأة عضو في مجلس الشورى، هل يمثل ذلك نقلة كبيرة في مسيرة المجلس؟- بعيداً عن عاطفتي: هو نقلة كبيرة وطبيعية؛ فالمجلس يمثل شرائح المواطنين كافة رجالاً ونساء، والرأي والتوصية أو القرار تحت قبة المجلس عندما يأتي من رجل لا يلبس ثوباً، وعندما يصدر عن المرأة لا ترتدي فستاناً. لم يعد المجتمع ذكورياً ولم تعد النساء مخضوبات البنان فقط، بل أضحين مورقات بالرأي والبيان. لقد كان قرار دخول المرأة خطوة نابهة متقدمة؛ فهناك مجالس برلمانية أقدم منا بسنين طويلة، لا يوجد في غالبها إلا امرأتان أو ثلاث، بل مجلس العموم البريطاني أحد أعرق المجالس البرلمانية ظل مائتي عام حتى دخلت المرأة البريطانية تحت قبته.* قلت ذات مرة "تحولت من جنة الأدب إلى نار الصحافة"، وفسره الكثيرون بمعانٍ كثيرة، ماذا تقصد؟- صحيح قلتها.. فأنا بدأت أكتب بالصحافة وكنت بالصف الأول الثانوي.. وقد كنت أرسل بعض المقالات الأدبية والرومانسية وما أزعم أنه قصائد، وظللت على ذلك في بواكير كتاباتي سنوات، ثم بعد مجيئي للرياض للدراسة بالجامعة التحقت متعاوناً للعمل بصحيفة الرياض، ومن بعدها الجزيرة، وكنت أكتب الأخبار، وأعمل التحقيقات، وأتناول الشأن الاجتماعي.. لكن هذه  الصحافة التي أدخلتني جنة الأدب أخرجتني إلى نارها، وإن كنت استعدت بعضاً من عشقي الأدبي ودراساتي الثقافية عندما أشرفت على الملحق الأدبي بالجزيرة، ثم عندما أصبحت رئيساً لتحرير المجلة العربية، وهي مجلة ثقافية.* يتهكمون على الصحافة السعودية بأنها تتمتع بهامش حرية عالٍ؛ والدليل أنها تمدح من تشاء، وتشيد بمن تريد، ما رأيك؟- أعتقد أن هذه الرؤية تغيرت كثيراً في السنوات الأخيرة، وبعد دخول لاعب جديد هو " الإعلام الجديد"؛ فقد أصبح هامش الحرية عالياً، ليس بالثناء – وهو مستطاب إذا كان صادقاً – لكن صار لديها نقد قوي للأوضاع والخدمات، وأحياناً – مع الأسف - يصل هذا النقد إلى تجريح المسؤول والنأي عن الموضوعية. وتظل الحرية مطلوبة بشكل أكبر شرط أن تكون مسؤولة.* بصراحة.. هل كان بعض أعضاء الشورى ينامون أثناء انعقاد الجلسات؟- من جانبي لم أر عضواً نائماً خلال تشرفي بعضوية المجلس لثلاث دورات.. لكن بالمحصلة: العضو بشر، قد يناله تعب خلال إحدى الجلسات؛ فيُغمض عينيه قسرا  للحظات، وعندها يخرج لدقائق ليستعيد نشاطه، ثم يعود إليها.. المهم أن يصدر الرأي اليقظ منه عندما يطرح رأيه أو توصيته.* وصفت الأندية الأدبية بأنها تسير خلف موضة الرواية، وهي تغرد خارج السرب، هل وضحت أكثر؟- نعم، وصفتها في لقاء قناة "خليجية" في رمضان ببرنامج بالصميم؛ فالأندية أتاها حين من الدهر وكأنه لا يوجد في خطابها المنبري سوى الرواية؛ فأصبحت ملتقياتها ومحاضراتها لا تتحدث إلا عنها، بينما الأدب فضاءات واسعة وشاسعة. أما وصفي لبعضها بأنها تغرد خارج السرب فلأن مناشطها المنبرية أو مطبوعاتها الثقافية لا ترقى إلى اهتمامات كل الأطياف، بل تتوجه للنخب؛ ولهذا شكت الأندية من قلة الحضور لمناشطها وضآلة اقتناء مطبوعاتها.* ما قضية القضايا في المجتمع السعودي؟- هي قضايا، وليست قضية، ما بين تحديات خارجية تستهدف استقرارنا ووحدتنا، وشؤون خدمية كالإسكان، وفرص العمل ورفع الظلم عن بعض النساء كالأرامل والمطلقات اللواتي يسلبهن بعض الذكور حقوقهن دون خوف من الله الذي وعد الظالم يوم القيامة بأنه خاب من حمل ظلماً.* ما الحب؟ و ما العيش؟ و ما الموتُ في مفهومك؟- سأجعل بعض الشعراء يجيبون نيابة عني:أما "الحب" فكما قال القصيبي:الــكــون لـولا الـحـب قــفــر *** وإن لم نستمع صوت النواحوأما "العيش" فقد كفاني ذلك المجرب الذي قال:ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر*** تنبو الحوادث عنه وهو ملموم!أما "الموت" فأصدق ما قرأت قول حافظ إبراهيم وهو يرثي أحد الغالين عليه:لقد كنت أخشى عادي الموت قبله *** فأصبحت أخشى أن تطول حياتيأسأل الرحمن ألا يجعل أحداً من قراء هذا الحوار يتوجع بقول هذا البيت.* دخلتَ تويتر، وجعلت لك حساباً تغرد من خلاله، هل عن قناعة أم كما يقال "مع الخيل يا شقرا"؟- بل عن قناعة تشكلت لدي.. وجدتني عبر تغريداتي وعبر نشر مقالاتي ولقاءاتي  بحسابي أصل إلى أنماط بوطني وشرائح أخرى في هذا العالم لا أصل لهم عبر الوسائط الورقية. كان لدي رسالة واضحة أوردتها في تغريدة لي عند بداية دخولي هذا الفضاء، هي: نشر المحبة، الحفز على القيم، الإسهام بالحفاظ على الوطن: عقيدة وأمناً وإنساناً.سمة تغريداتي أنها هادئة، وأتوق إلى أنها هادفة، وهي تتراوح ما بين تغريدات نقدية لشأن اجتماعي أو خدمي، أو تغريدات شعرية، أو طرفة خفيفة، أحرض فيها على ابتسامة، أو مقولة مضيئة، أو تأملات فكرية، أو قصص تراثية، أسقطها على إيقاع العصر، أو تحليقات وجدانية، أسافر معها ومع المغردين من هجير الحياة إلى وهج الوجود، ومن أوار الحياة إلى كسرة رِواء المحبة.* ماذا يزعجك من بعض المغردين؟- أتضايق بل تذهب نفسي حسرات عندما أرى بين بعض المغردين تنابزاً بالألقاب، وإقذاعاً في السباب، وأتساءل ألا يمكن أن نتجادل ونختلف بالتي هي أحسن، ونقول للناس حسناً.أمر آخر يزعجني، هو أن العالم الشبكي، وتويتر سنامه، أُحس أنه أحياناً يسرق وقتي، ويسلب الزمن الذي أخصصه لهواياتي وقراءاتي الورقية؛ ولهذا كتبت مرة مقالاً عنوانه: أغلق الإنترنت واستمتع بالحياة!* متى بدأت علاقتك بالكلمة؟ وما أول مقال كتبته؟- منذ أحسست برعشة الحياة وهتاف الحرف، وشعرت بأن لدي شيئاً أريد أن أقوله للناس ليورق في قلوبهم، وكانت بداية كتاباتي رومانسية، فيها ظمأ للحنان؛ ربما بسبب فقدي لأمي. أما أول مقال نشرته فهو مقال ذو فكرة بسيطة، عنوانه: النجاح وليد العمل والكفاح.لقد خرجت بعد نشره إلى طرق مدينتي الوادعة، أمشي في الأرض مرحاً، أحسب أن كل سكانها قرؤوا مقالي!* ماذا تتذكر من طفولتك؟- أذكر مواقف جميلة رائعة، لكن كان أبهجها عندما أهدتني أختي "مضاوي" - رحمها الله - "دراجة"، أتت بها من الرياض إلي وأنا في عنيزة.. لقد سعدت بها، وباهيت بها أقراني، ونشوة الفرح لم تضاهها أي فرحة امتلاك أي شيء بعدها.لقد تهجيّت وحلقت حين ذاك مع أول مذاق فرح في سنيّ صباي.
* لو سألتك هل تعتز بشيء كُتب عنك؟
- بالطبع، يسعدني – كأي إنسان – ما يكتب عني، إن ثناء صادقاً أو نقداً هادفاً.
وأكثر ما أعتز به بما كتبه عني الرمزان والدي الشيخ حمد الجاسر – رحمه الله – تحت عنوان (ابني القاضي بعطائه ووفائه)، وما كتبه عني حكيم الرأي المتزن معالي الدكتور عبدالعزيز الخويطر (حمد القاضي :لسان عفّ وقلم نزيه).
* ماذا كان بودك أن تكون لو لم تكن كاتباً؟- قلت ذات مرة لو لم أكن محبر الحبر لكنت بائع عطور؛ فهناك تناغم بين رسالة الحبر ورائحة العطر.* موقف صحفي محرج مرّ عليك أثناء مسيرتك الصحفية..- موقف افتتاحية لمجلة العربية عن صدور الميزانية، وفي ذلك العام لم تصدر في موعدها بل صار صدورها بشكل دوري بسبب أسعار البترول، وكان المعتاد أن تصدر غرة رجب، (والمجلة العربية) تُعد موادها - ومنها افتتاحية المجلة - قبل شهر رجب، وتكون جاهزة مطبوعة غرة رجب، وقد صدرت المجلة وعلى غلافها (صدور ميزانية الخير)، وهي لم تصدر؛ فقد أعلن ليلة صدورها تأجيلها، وأنا تحدثت في افتتاحية المجلة عن (مشروعات إنماء) التي لم تُعلن.* وموقف صحفي طريف..كتبت خبراً عن زميل، ووقع خطأ مطبعي فيه، فقد جاء الخبر: (( كتب  الزبيل.. بدلاً من الزميل))، لكنه تقبله قبولاً حسناً، وإن ظل الخبر مدار تعليقات لطيفة!* قصة وفاء مرّت عليك لا تزال عالقة في ذهنك.- قصة نائلة زوجة عثمان بن عفان – رضي الله عنه – عندما هشّمت أسنانها بعد وفاة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - لكي تتشوه، ولا يتزوجها أحد وفاء لزوجها قائلة – رضي الله عنها – "والله لا يجلس منّي أحد مجلس عثمان". يا للوفاء.. أين هو من وفاء الرجال والنساء في عصر عولمة الغدر..؟!!* هل تخاف على ثقافتنا وحضارتنا من هجمة العولمة؟- لا أخاف أبداً.. المهم أن ندخل عالم العولمة بشروطنا ومرجعيتنا الدينية وثقتنا بأنفسنا، عندها لا تكون رجساً من عمل الشيطان بل إننا نفيد منها، ونضيف إليها، ولا نعزل حضارتنا، عن حضارة الآخر.. العولمة لم تعد خياراً، لنا بل هي اضطرار لا بد أن نسلكه، وديننا دين عالمي، وقد خلقنا الله شعوباً وقبائل لنتعارف، ليس قولاً وكلاماً فقط، ولكن تفاعلاً وعطاء.* ما أعظم شيء يريحك؟- تلك الابتسامة التي أراها على شفتي طفل، أو على محيّا أم.* ماذا يلفت نظرك في المرأة؟- أنوثتها مظهراً، وثقافتها مخبراً.* مصادر ضعفك؟- قلبي أولاً، واليتيم ثانياً.* ما هي علاقتك بالرياضة؟ والنادي الذي تشجعه؟- علاقتي بالرياضة أتبع معها قول الرحمن: {ولا تقف ما ليس لك به علم}. أما النادي الذي أشجعه فهو نادي "الحب".* ماذا تقول بصفتك كنت لثلاث دورات عضواً في مجلس الشورى عن منهج الشورى الذي طبقته السعودية؟ وماذا عن تجارب الآخرين؟- الشورى في وطني منهج رباني، لا خيار لنا فيه، ومن خلقنا أدرى بما يصلح حياتنا، وكل أمة تختار النهج الذي يوصلها إلى أهدافها، ونحن اخترنا النهج الذي يخدم بلادنا، وينطلق من ثوابتنا، ونعتقد أنه يحقق أهدافنا.. ولا ننازع الآخرين في خياراتهم في نهج أي شكل من أشكال التواصل والمشاركة التي تلائمهم، وأستشرف أن يتم إعطاء المجلس المزيد من الصلاحيات.* تُتَّهم في بعض كتاباتك بالرومانسية، فماذا تقول؟- هل الرومانسية تهمة؟ الرومانسية نقاء وطهر ومحبة، وما قيمة الحياة بغير هذه الأشياء.. ما قيمة الوجود بدون هذه الورود.. الرومانسية تحليق في سماوات الجمال، ومحاولة للنأي عن توترات العصر على أجنحة المحبة، لكن – مع الأسف – رغم سحر هذه الرومانسية حرفاً وحياة أجدني – كاتباً وإنساناً – نأيت كثيراً عن هذا الفضاء الجميل؛ فقد كاد صقيع الوجود يغيّب دفء الحياة. أعادني الله وإياكم إلى هذا العالم الجميل.* مدينة تحب أن تزورها..- مكة المكرمة لراحة الروح، وعنيزة لذكريات الصبا، والقاهرة – رد الله غربتها - لنوافذ الثقافة، والإمارات للاستمتاع بإمكاناتها السياحية* مبدأ تؤمن به..- فاغرس من الفعل الجميل فضائلاً *** فإذا ذهبت فإنها لا تذهب* في حياتك.. ما أثمن ما اكتسبت؟ وما أثمن ما فقدت؟- أثمن ما اكتسبت السلام والتصالح مع نفسي ومع الآخرين، وأثمن ما فقدت رحيل أمي وأنا طفل لم أنعم بدفء حنانها، ولم أرتوِ من حبها؛ فأضحيت  أبحث عن هذا الحنان عبر الورق وقلوب الغالين.. رحلتْ بعد أن آثرت حياتي على حياتها، أسكنها الله فسيح جناته.*  ثلاث رسائل في يديك الآن وجهها لمن تشاء..- الأولى: لغازي القصيبي: كلما أتذكر رحيلك أستغرب كيف احتوى القبر فكرك ورؤاك ومجدك.. أتذكرك بالقبر وبيت صاحبك الجواهري يضج في مخيلتي:
لـغـز الحـياة وحـيـرة الألـبـاب
* أن يستحيل الفكر محض تراب
 - الثالثة: عبدالله الغذامي: لم يعرفوك عندما رموك بالتهم بسبب دعوتك للحداثة الأدبية.. وقد ظللت نبيلاً، لم تشتم أو تنتقم، والآن عندما رماك الطيف الآخر ظللت كما كنت ذا رسالة، لم تأبه بسباب أو فجور خصومة، كنت – أبا غادة – منذ عرفتك تستند في تعاملك مع المتفق والمختلف إلى مرجعيتك الدينية والخلقية.* آخر كلمات تودع بها قراء "سبق"..- أنيب ذلك الذي قال:
" أصدقائي حكيت ما ليس يحكى     وشفيعي طفولتي والنقاء"

أضف تعليقك

التعليقات